محمد بن علي الشوكاني
5749
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
[ القسم الثاني ] اعلم - أرشدك الله - أن جميع ما ذكرنا لك في القسم الأول - وهم الرعايا - من ترك الصلاة ، وسائر الفرائض الشرعية إلا الشاذ النادر على تلك الصفة ، فهو أيضًا كائن في البلاد الخارجة عن أوامر الدولة ونواهيها ، بل الأمر فيهم أشد وأفظع ، فإنهم جميعا لا يحسنون الصلاة ، ولا القراءة ، ومن كان يقرأ منهم فقراءته غير صحيحة ، ولسانه غير صالحة ، وبالجملة فالفرائض الشرعية بأسرها من غير فرق بين أركان الإسلام الخمسة وغيرها مهجورة عندهم ، متروكة ، بل كلمة الشهادة التي هي مفتاح الإسلام لا ينطق بها الناطق منهم إلا على [ 8 أ ] عوج . ومع هذا ففيهم من المصائب العظيمة ، والقبائح الوخيمة ، والبلايا الجسيمة أمور غير موجودة في القسم الأول : ( منها ) : أنهم يحكمون بالطاغوت ( 1 ) ، ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم ، في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم ، من غير إنكار ولا حياء من الله ولا من عباده ، ولا مخافة من أحد ، بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليه من الرعايا ، ومن كان قريبا منهم ، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس ، لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه ، وهو أشهر من نار على علم . ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله - سبحانه - وبشريعته التي أنزلها على رسوله ، واختارها لعباده في كتابه ، وعلى لسان رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بل كفروا
--> ( 1 ) الطاغوت عبارة عن كل متعبد ، وكل معبود من دون الله ويستعمل في الواحد والجمع قال تعالى : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) [ البقرة : 256 ] وقوله تعالى : ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ) [ لزمر : 17 ] ( أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) [ البقرة : 257 ] وقوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ) [ النساء : 60 ] . انظر : " مفردات ألفاظ القرآن " ( ص 520 - 521 ) للراغب الأصفهاني .